أمير الزمان
06 Feb 2007, 04:22 AM
نظام النقد الدولي
الذهب: مراحله التاريخية:
قبل أن نبدأ بالحديث عن الواقع الجديد والمرحلة الجديدة التي يمر بها الذهب، نعرض بعض الأسئلة:
1 - هل ما زال الذهب يشكل تغطية للنقد؟
2 - هل ما زال سعر النقد مرتبطاً بالذهب؟
3 - هل يعتبر الذهب أداة استثمار مربحةً؟
4 - ما دور الذهب في سوق البورصات المالية؟
5 - هل ينظر إلى الذهب كطوق تحوّطي ضد التضخم؟
إن استعراض هذه المسائل - كما سنرى فيما بعد - يبيِّن أن هناك تخلياً عن النظرة التاريخية للذهب وإلقاء نظرة واقعية محدثة عليه، وهي أنه غدا كغيره... سلعةً من السلع.
إن كلفة استخراج أونصة الذهب تبلغ الآن (261) دولاراً، وتدني سعرها عن هذا المبلغ في السوق يعني بكل تأكيد إغلاق المناجم التي لا تستطيع استخراجها بأقل من هذا السعر. وكانت أولى الضحايا شركة (إيست راند بروبرتي مايز) في جنوب أفريقيا المعروفة اختصاراً بـ (إي. آر. بي. أم)، التي مضى على تأسيسها أكثر من ماية عام، إذ أعلنت أنها ستصفّي أعمالها.
هناك دول يعتمد اقتصادها على الذهب، وهي في معظمها دول فقيرة كروسيا والصين وأندونيسيا وأوزبكستان والبرازيل والبيرو وجنوب أفريقيا. هذه الدول هي في عداد أكبر (10) دول منتجة للذهب في العالم. في أوائل شهر تموز 1999 قام بنك إنكلترا المركزي ببيع كمية (25) طناً= (804000) أونصة من احتياطه من الذهب في إطار خطة لبيع نصف هذا الاحتياطي أي (415) طناً. فكان هذا بمثابة ضربة قاسية جديدة تضاف إلى ضربات عديدة سابقة وجهت إلى هذا المعدن الثمين، والأهم من ذلك أنها ضربة قاسية لدوره. لقد بيعت الأونصة ساعتئذٍ بـ (260.20) دولاراً. وبعد ثلاث ساعات فقط بيعت الأونصة بـ(257.60) دولاراً.
وكان قد سبق بنك إنكلترا هذا عديد من البنوك المركزية، ببيع كميات من مخزونها من الذهب، منها بنوك بلجيكا وهولندا والأرجنتين وأستراليا وكندا. كما أن مصرف إنكلترا لن يكون الأخير، فسويسرا تفكر حالياً ببيع (1300) طن، وصندوق النقد الدولي يقوم بدراسة لبيع (300) طن= عشرة ملايين أونصة. وقد صرح مدير هذا الصندوق أخيراً أنه بصدد بيع أربعة عشر مليون أونصة من الذهب، من أجل تخفيف عبء الديون عن الدول الفقيرة، وقيمتها (3) ملياراً.
وتقدّر مؤسسة (غولد فيلد ذي ميزل سيرفسيز) أن المصارف المركزية قد تخلّت عن مقتنياتها من الذهب، ابتداءً من العام 1989 بمعدل (315) طناً سنوياً. مع وجود المعارضة في الأوساط السياسية والاقتصادية في بريطانيا للانضمام إلى منطقة اليورو، فإن من سياسة رئيس الوزراء طوني بلير أن يدخل بريطانيا، ويضمّها إلى منطقة اليورو. ولهذا البيع، الذي قام به بنك بريطانيا المركزي من كميات الذهب المقررة، ارتباط بالسياسة التي ينتهجها بلير. إذ يريد أن يكون احتياطي النقد (الإسترليني) 40% من اليورو و40% من الدولار و20% من الين الياباني. وقد صرح وزير خارجية بريطانيا في خطاب ألقاه في رجال الأعمال في كندا أن عرض اليورو كنقد عالمي فيه فوائد كثيرة. كأن الاتجاه يسير بهذا المعدن المتوهج إلى تكثيف صناعة المجوهرات. وتشير الإحصائيات إلى أن هذه الصناعة استخدمت (2048) طناً في العام 1989، ثم ارتفعت هذه الكمية إلى (3145) طناً في العام 1998. وهذا يعني أن ثلاثة أرباع منتوج الذهب تطالها صناعة المجوهرات، بعد أن كان، قبل مضيّ عقد من الزمن، لا يستعمل منه إلا ثلث الإنتاج فقط.
ومن العوامل التي تتحكم في تهميش الذهب في هذه الأيام:
الدولار، مدعوماً بفائض هائل من الإنتاج الأميركي مما يمسك على أسعاره، وبذلك لا يكون بحاجة إلى ارتباطه بالذهب.
التضخم المالي، ومعالجته بالتدخل من قبل صندوق النقد الدولي، بعد أن كانت معالجته بالقدر المخزون من احتياطي الذهب، ومعالجته أيضا بالتناسب في الميزان التجاري بين صادرات البلد ووارداته، يضاف إلى ذلك ضمانة أسواق تتلقى ناتج البلد المعني، محوطاً بحماية سياسية.
أما لو حصل تراجع في قيمة الدولار، استشراء في موجة التضخم، فإن الذهب يكون له دور في العودة إليه، وبالتالي ترتفع أسعاره. ولكن لا توجد مؤشرات على حصول هذين الأمرين، وهما: تراجع قيمة الدولار، واستشراء موجة التضخم.
أمامنا الآن ظواهر حسية في سوق الاستثمارات المالية. فالذي استثمر من الذهب بقيمة ماية دولار مثلاً عام 97، أصبحت قيمة استثماره اليوم أقل من سبعين دولاراً. أما الذي استثمر في الأدوات المالية في البورصات المالية، فإن استثماره زاد عن (250) دولاراً. ولذلك، فإن الذهب لا يعطي مردوداً استثمارياً لأصحابه، أي إنه لا يعتبر ملجأً استثمارياً آمناً.
لقد بدأ الذهب يفقد دوره النقدي التاريخي، كونه وضع بموجب اتفاق بريتون وودز مع الدولار كمساندٍ له، أي وضع في المؤخرة، فسلب منه زمام المبادرة. وفقد وظيفتيه الأساسيتين.
الأولى: كونه وسيلة الدفع الرئيسة في العمليات التجارية.
والثانية: هي استخدامه كتغطية للعملات التي يتحدد سعرها على ضوء نسبة هذه التغطية.
هذا الدور المزدوج للذهب أصبح غير موجود، منذ أن أعلن الرئيس الأميركي نيكسون نقاطه الأربع بتاريخ 15/8/1971.
كانت أولى الضربات التي تلقاها الذهب من حيث دوره النقدي إبان الحرب العالمية الأولى. فقد انهار نظام اعتماده كتغطية كاملة للعملات. وعندما أعيد العمل به جزئياً سنة 1922 انهار مجدداً مع حصول الأزمة الاقتصادية العالمية التي أصابت الولايات المتحدة الأميركية سنة 1929، ثم عمّت معظم العالم. وفي سنة 1937 لم تعد هناك دولة تعتمده كتغطية كاملة لعملتها. وفي عام 1939 اشتعلت الحرب العالمية الثانية، فكانت فرصة أميركا بدورها لتصدير السلاح لدول الحلفاء. وبذلك عالجت أزمتها الاقتصادية، وواتتها الفرصة لتأخذ زمام قيادة الحلفاء، مروراً بهم، إلى قيادة العالم.
إلا أنه كان من غير الممكن إزاحة الذهب عن دوره العالمي والإطاحة به عن عرشه. فلما لاحت تباشير النصر للحلفاء، أخذت أميركا تخطط لبناء هيكلية جديدة للمملكة العالمية لتتربع على عرشها. ففتحت ثلاث قنوات هي:
الاولى: اقتصادية، وتتمثل في اتفاقيات بريتون وودز وما أفرزته من أجهزة كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبعدهما بقليل منظمة (الغات).
الثانية: سياسية، وتتمثل في الهيكلية الدولية التي قامت عليها هيئة الأمم، بأجهزتها المتعددة مثل مجلس الأمن الدولي وغيره.
الثالثة: عسكرية، وتتمثل في امتلاكها السلاح النووي، وإقامتها الأحلاف العسكرية والقواعد العسكرية.
يعتبر الاقتصاد الوطني الأميركي بحجمه الهائل هو التغطية الفعلية للنقد الأميركي (الدولار)، إضافة إلى وجود التغطية الحقيقية للدولار وهي الرصيد من المخزون الذهبي، والذي كان يشكل في تغطيته للدولار أكثر من 100% عند نهاية الحرب العالمية الثانية.
وإذا وجد هناك منافس جديد يملك إنتاجاً وطنياً يضاهي الاقتصاد الأميركي كماً وجودةً، تلجأ أميركا إلى السلاح الثاني وهو الثقل السياسي الذي أفرزته الهيكلية الدولية بإعطائها مركز الدولة الأولى في العالم. فلو فرضنا أن اليابان وجدت كعملاق اقتصادي يستطيع أن يزاحم نظيره الأميركي - وقد حصل ذلك - فإنها لا تمتلك الثقل السياسي والتأثير السياسي الذي تستطيع به أميركا اقتحام أسواق العالم، وحمايتها كما تريد.
وإذا صدف ووجد العامل الثاني، وهو التأثير السياسي – كما حصل مع الجنرال ديغول – فإن أميركا حينئذٍ تتفرد بامتلاك العامل الثالث وهو الوجود العسكري.
وعندما نقول الوجود العسكري، لا يعني هذا امتلاك السلاح النووي والقوة النووية، وإنما يعني أنها تمتلك (600) قاعدة عسكرية في أنحاء العالم، كما تمتلك أربع عشرة حاملة طائرات، وتهيمن على مياه البحر المتوسط بأسطولها السادس الذي يتكون من حوالي ماية قطعة بحرية، كما تمتلك الأسطولين السابع في المحيط الهادي والخامس في المحيط الهندي، اللذين اندمجا في أسطول واحد هو الخامس، وأصبحت قاعدته الرئيسة في البحرين. وبموجب حلف الأطلسي فإن لها وجود عسكري في كل دولة من دول أوروبا الغربية. أما مخزونها النووي وامتلاكها لأجيال متطورة من الصواريخ العملاقة فحدّث عنه ولا حرج. وعندها أسطول لا يضاهى من الغواصات الذرية التي تطلق الرؤوس النووية، والتي تمخر عباب المحيطات. وبذلك يكون لها وجود عسكري ضخم فعّال ومؤثر في كل بقعة من بقاع العالم.
إذاً، فالقناة الأولى التي افتتحتها أميركا وهي القناة الاقتصادية، بدأت بها من اتفاقية بريتون وودز 1944 وتوّجت بذلك الدولار على رأس النقد العالمي، وأسلمته زمام المبادرة لقيادة العالم اقتصادياً، ووضعت الذهب في الخلف كركيزة داعمة (احتياط) فقط كخطوة أولى لإخراجه من الساحة العالمية اقتصادياً.
إن قيمة الذهب انخفضت ما بين 1980 و2003 إلى 32% مما كانت عليه، فهي الآن (800) دولار عام 1980. وكانت حينئذٍ (أي في 1980) قد ارتفعت معدلات التضخم بشدة في الدول الصناعية، وبخاصة بعدما ما أصاب العالم من اضطراب سياسي جراء وجود السوفيات في أفغانستان، واندلاع الحرب العراقية – الإيرانية. فكانت النار مشتعلة في منطقة حساسة تمدّ العالم بأسره برافدها النفطي، مع الترقب والخوف وإثارة الحساسيات التي تعتبر هذا الاضطراب تهديداً لتلك المنطقة بأسرها. فكان من جرّاء ذلك هذا التضخم الهائل والارتفاع المضطرد لأسعار الذهب. كل ذلك خشية أن تطال الكارثة المنطقة البترولية، وتدفع بها إلى عالم المجهول، إما بتغييرات وانقلابات أو انفجارات تؤدي بالتالي إلى انفلات أزمّة التحكم في مادة البترول من أيدي أباطرة الإجرام.
مادة البترول هذه كانت عاملاً مهماً في إشعال الحرب العالمية الأولى. ومادة البترول هذه كانت عاملاً مهماً في هزيمة ألمانيا النازية. ومادة البترول هذه كانت عاملاً في الاضطرابات السياسية والعسكرية الأخيرة في منطقة الخليج. ومادة البترول هذه هي عنوان التحكم في رقاب ستة مليارات من البشر، يثقلهم كابوس الظلم والفقر والتقتيل والتشريد. فمن يمتلك السيطرة على هذه المادة السوداء من إنتاج وتكرير ونقل وتوزيع؟؟؟
إن مستوى احتياطي الذهب في البنوك المركزية والمؤسسات المالية الآن لا يزيد عن 5% بالنسبة لموجود الاحتياطيات الأخرى من العملات الأجنبية. ويرى الخبراء والمحللون الاقتصاديون الرأسماليون أن هذا التقليل من الذهب كاحتياطي يتمشى مع التوجه العالمي، حيث يقلل من مخاطر تقلبات أسعار الذهب. وقد أصبحت البدائل الاستثمارية كالسندات بالدولار أفضل من حيث العوائد، خاصة مع استخدام الدولار كأداة للتدخل في سقوف الصرف الأجنبي.
الذهب: مراحله التاريخية:
قبل أن نبدأ بالحديث عن الواقع الجديد والمرحلة الجديدة التي يمر بها الذهب، نعرض بعض الأسئلة:
1 - هل ما زال الذهب يشكل تغطية للنقد؟
2 - هل ما زال سعر النقد مرتبطاً بالذهب؟
3 - هل يعتبر الذهب أداة استثمار مربحةً؟
4 - ما دور الذهب في سوق البورصات المالية؟
5 - هل ينظر إلى الذهب كطوق تحوّطي ضد التضخم؟
إن استعراض هذه المسائل - كما سنرى فيما بعد - يبيِّن أن هناك تخلياً عن النظرة التاريخية للذهب وإلقاء نظرة واقعية محدثة عليه، وهي أنه غدا كغيره... سلعةً من السلع.
إن كلفة استخراج أونصة الذهب تبلغ الآن (261) دولاراً، وتدني سعرها عن هذا المبلغ في السوق يعني بكل تأكيد إغلاق المناجم التي لا تستطيع استخراجها بأقل من هذا السعر. وكانت أولى الضحايا شركة (إيست راند بروبرتي مايز) في جنوب أفريقيا المعروفة اختصاراً بـ (إي. آر. بي. أم)، التي مضى على تأسيسها أكثر من ماية عام، إذ أعلنت أنها ستصفّي أعمالها.
هناك دول يعتمد اقتصادها على الذهب، وهي في معظمها دول فقيرة كروسيا والصين وأندونيسيا وأوزبكستان والبرازيل والبيرو وجنوب أفريقيا. هذه الدول هي في عداد أكبر (10) دول منتجة للذهب في العالم. في أوائل شهر تموز 1999 قام بنك إنكلترا المركزي ببيع كمية (25) طناً= (804000) أونصة من احتياطه من الذهب في إطار خطة لبيع نصف هذا الاحتياطي أي (415) طناً. فكان هذا بمثابة ضربة قاسية جديدة تضاف إلى ضربات عديدة سابقة وجهت إلى هذا المعدن الثمين، والأهم من ذلك أنها ضربة قاسية لدوره. لقد بيعت الأونصة ساعتئذٍ بـ (260.20) دولاراً. وبعد ثلاث ساعات فقط بيعت الأونصة بـ(257.60) دولاراً.
وكان قد سبق بنك إنكلترا هذا عديد من البنوك المركزية، ببيع كميات من مخزونها من الذهب، منها بنوك بلجيكا وهولندا والأرجنتين وأستراليا وكندا. كما أن مصرف إنكلترا لن يكون الأخير، فسويسرا تفكر حالياً ببيع (1300) طن، وصندوق النقد الدولي يقوم بدراسة لبيع (300) طن= عشرة ملايين أونصة. وقد صرح مدير هذا الصندوق أخيراً أنه بصدد بيع أربعة عشر مليون أونصة من الذهب، من أجل تخفيف عبء الديون عن الدول الفقيرة، وقيمتها (3) ملياراً.
وتقدّر مؤسسة (غولد فيلد ذي ميزل سيرفسيز) أن المصارف المركزية قد تخلّت عن مقتنياتها من الذهب، ابتداءً من العام 1989 بمعدل (315) طناً سنوياً. مع وجود المعارضة في الأوساط السياسية والاقتصادية في بريطانيا للانضمام إلى منطقة اليورو، فإن من سياسة رئيس الوزراء طوني بلير أن يدخل بريطانيا، ويضمّها إلى منطقة اليورو. ولهذا البيع، الذي قام به بنك بريطانيا المركزي من كميات الذهب المقررة، ارتباط بالسياسة التي ينتهجها بلير. إذ يريد أن يكون احتياطي النقد (الإسترليني) 40% من اليورو و40% من الدولار و20% من الين الياباني. وقد صرح وزير خارجية بريطانيا في خطاب ألقاه في رجال الأعمال في كندا أن عرض اليورو كنقد عالمي فيه فوائد كثيرة. كأن الاتجاه يسير بهذا المعدن المتوهج إلى تكثيف صناعة المجوهرات. وتشير الإحصائيات إلى أن هذه الصناعة استخدمت (2048) طناً في العام 1989، ثم ارتفعت هذه الكمية إلى (3145) طناً في العام 1998. وهذا يعني أن ثلاثة أرباع منتوج الذهب تطالها صناعة المجوهرات، بعد أن كان، قبل مضيّ عقد من الزمن، لا يستعمل منه إلا ثلث الإنتاج فقط.
ومن العوامل التي تتحكم في تهميش الذهب في هذه الأيام:
الدولار، مدعوماً بفائض هائل من الإنتاج الأميركي مما يمسك على أسعاره، وبذلك لا يكون بحاجة إلى ارتباطه بالذهب.
التضخم المالي، ومعالجته بالتدخل من قبل صندوق النقد الدولي، بعد أن كانت معالجته بالقدر المخزون من احتياطي الذهب، ومعالجته أيضا بالتناسب في الميزان التجاري بين صادرات البلد ووارداته، يضاف إلى ذلك ضمانة أسواق تتلقى ناتج البلد المعني، محوطاً بحماية سياسية.
أما لو حصل تراجع في قيمة الدولار، استشراء في موجة التضخم، فإن الذهب يكون له دور في العودة إليه، وبالتالي ترتفع أسعاره. ولكن لا توجد مؤشرات على حصول هذين الأمرين، وهما: تراجع قيمة الدولار، واستشراء موجة التضخم.
أمامنا الآن ظواهر حسية في سوق الاستثمارات المالية. فالذي استثمر من الذهب بقيمة ماية دولار مثلاً عام 97، أصبحت قيمة استثماره اليوم أقل من سبعين دولاراً. أما الذي استثمر في الأدوات المالية في البورصات المالية، فإن استثماره زاد عن (250) دولاراً. ولذلك، فإن الذهب لا يعطي مردوداً استثمارياً لأصحابه، أي إنه لا يعتبر ملجأً استثمارياً آمناً.
لقد بدأ الذهب يفقد دوره النقدي التاريخي، كونه وضع بموجب اتفاق بريتون وودز مع الدولار كمساندٍ له، أي وضع في المؤخرة، فسلب منه زمام المبادرة. وفقد وظيفتيه الأساسيتين.
الأولى: كونه وسيلة الدفع الرئيسة في العمليات التجارية.
والثانية: هي استخدامه كتغطية للعملات التي يتحدد سعرها على ضوء نسبة هذه التغطية.
هذا الدور المزدوج للذهب أصبح غير موجود، منذ أن أعلن الرئيس الأميركي نيكسون نقاطه الأربع بتاريخ 15/8/1971.
كانت أولى الضربات التي تلقاها الذهب من حيث دوره النقدي إبان الحرب العالمية الأولى. فقد انهار نظام اعتماده كتغطية كاملة للعملات. وعندما أعيد العمل به جزئياً سنة 1922 انهار مجدداً مع حصول الأزمة الاقتصادية العالمية التي أصابت الولايات المتحدة الأميركية سنة 1929، ثم عمّت معظم العالم. وفي سنة 1937 لم تعد هناك دولة تعتمده كتغطية كاملة لعملتها. وفي عام 1939 اشتعلت الحرب العالمية الثانية، فكانت فرصة أميركا بدورها لتصدير السلاح لدول الحلفاء. وبذلك عالجت أزمتها الاقتصادية، وواتتها الفرصة لتأخذ زمام قيادة الحلفاء، مروراً بهم، إلى قيادة العالم.
إلا أنه كان من غير الممكن إزاحة الذهب عن دوره العالمي والإطاحة به عن عرشه. فلما لاحت تباشير النصر للحلفاء، أخذت أميركا تخطط لبناء هيكلية جديدة للمملكة العالمية لتتربع على عرشها. ففتحت ثلاث قنوات هي:
الاولى: اقتصادية، وتتمثل في اتفاقيات بريتون وودز وما أفرزته من أجهزة كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبعدهما بقليل منظمة (الغات).
الثانية: سياسية، وتتمثل في الهيكلية الدولية التي قامت عليها هيئة الأمم، بأجهزتها المتعددة مثل مجلس الأمن الدولي وغيره.
الثالثة: عسكرية، وتتمثل في امتلاكها السلاح النووي، وإقامتها الأحلاف العسكرية والقواعد العسكرية.
يعتبر الاقتصاد الوطني الأميركي بحجمه الهائل هو التغطية الفعلية للنقد الأميركي (الدولار)، إضافة إلى وجود التغطية الحقيقية للدولار وهي الرصيد من المخزون الذهبي، والذي كان يشكل في تغطيته للدولار أكثر من 100% عند نهاية الحرب العالمية الثانية.
وإذا وجد هناك منافس جديد يملك إنتاجاً وطنياً يضاهي الاقتصاد الأميركي كماً وجودةً، تلجأ أميركا إلى السلاح الثاني وهو الثقل السياسي الذي أفرزته الهيكلية الدولية بإعطائها مركز الدولة الأولى في العالم. فلو فرضنا أن اليابان وجدت كعملاق اقتصادي يستطيع أن يزاحم نظيره الأميركي - وقد حصل ذلك - فإنها لا تمتلك الثقل السياسي والتأثير السياسي الذي تستطيع به أميركا اقتحام أسواق العالم، وحمايتها كما تريد.
وإذا صدف ووجد العامل الثاني، وهو التأثير السياسي – كما حصل مع الجنرال ديغول – فإن أميركا حينئذٍ تتفرد بامتلاك العامل الثالث وهو الوجود العسكري.
وعندما نقول الوجود العسكري، لا يعني هذا امتلاك السلاح النووي والقوة النووية، وإنما يعني أنها تمتلك (600) قاعدة عسكرية في أنحاء العالم، كما تمتلك أربع عشرة حاملة طائرات، وتهيمن على مياه البحر المتوسط بأسطولها السادس الذي يتكون من حوالي ماية قطعة بحرية، كما تمتلك الأسطولين السابع في المحيط الهادي والخامس في المحيط الهندي، اللذين اندمجا في أسطول واحد هو الخامس، وأصبحت قاعدته الرئيسة في البحرين. وبموجب حلف الأطلسي فإن لها وجود عسكري في كل دولة من دول أوروبا الغربية. أما مخزونها النووي وامتلاكها لأجيال متطورة من الصواريخ العملاقة فحدّث عنه ولا حرج. وعندها أسطول لا يضاهى من الغواصات الذرية التي تطلق الرؤوس النووية، والتي تمخر عباب المحيطات. وبذلك يكون لها وجود عسكري ضخم فعّال ومؤثر في كل بقعة من بقاع العالم.
إذاً، فالقناة الأولى التي افتتحتها أميركا وهي القناة الاقتصادية، بدأت بها من اتفاقية بريتون وودز 1944 وتوّجت بذلك الدولار على رأس النقد العالمي، وأسلمته زمام المبادرة لقيادة العالم اقتصادياً، ووضعت الذهب في الخلف كركيزة داعمة (احتياط) فقط كخطوة أولى لإخراجه من الساحة العالمية اقتصادياً.
إن قيمة الذهب انخفضت ما بين 1980 و2003 إلى 32% مما كانت عليه، فهي الآن (800) دولار عام 1980. وكانت حينئذٍ (أي في 1980) قد ارتفعت معدلات التضخم بشدة في الدول الصناعية، وبخاصة بعدما ما أصاب العالم من اضطراب سياسي جراء وجود السوفيات في أفغانستان، واندلاع الحرب العراقية – الإيرانية. فكانت النار مشتعلة في منطقة حساسة تمدّ العالم بأسره برافدها النفطي، مع الترقب والخوف وإثارة الحساسيات التي تعتبر هذا الاضطراب تهديداً لتلك المنطقة بأسرها. فكان من جرّاء ذلك هذا التضخم الهائل والارتفاع المضطرد لأسعار الذهب. كل ذلك خشية أن تطال الكارثة المنطقة البترولية، وتدفع بها إلى عالم المجهول، إما بتغييرات وانقلابات أو انفجارات تؤدي بالتالي إلى انفلات أزمّة التحكم في مادة البترول من أيدي أباطرة الإجرام.
مادة البترول هذه كانت عاملاً مهماً في إشعال الحرب العالمية الأولى. ومادة البترول هذه كانت عاملاً مهماً في هزيمة ألمانيا النازية. ومادة البترول هذه كانت عاملاً في الاضطرابات السياسية والعسكرية الأخيرة في منطقة الخليج. ومادة البترول هذه هي عنوان التحكم في رقاب ستة مليارات من البشر، يثقلهم كابوس الظلم والفقر والتقتيل والتشريد. فمن يمتلك السيطرة على هذه المادة السوداء من إنتاج وتكرير ونقل وتوزيع؟؟؟
إن مستوى احتياطي الذهب في البنوك المركزية والمؤسسات المالية الآن لا يزيد عن 5% بالنسبة لموجود الاحتياطيات الأخرى من العملات الأجنبية. ويرى الخبراء والمحللون الاقتصاديون الرأسماليون أن هذا التقليل من الذهب كاحتياطي يتمشى مع التوجه العالمي، حيث يقلل من مخاطر تقلبات أسعار الذهب. وقد أصبحت البدائل الاستثمارية كالسندات بالدولار أفضل من حيث العوائد، خاصة مع استخدام الدولار كأداة للتدخل في سقوف الصرف الأجنبي.